ابن قيم الجوزية
90
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
معصية فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها ننفر عن كثير من العبودية أما في الصلاة فلما في طبعها من الكسل وإيثار الراحة ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ورين الذنب والميل إلى الشهوات ومخالطة أهل الغفلة فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها وأن وأما الزكاة فلما في طبعها من الشح والبخل وكذلك الحج والجهاد للأمرين جميعاً وطبعا . ويحتاج العبد هاهنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال : أحدها : قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص وتجنب دواعي الريبة والسمعة وعقد العزم على توفيته المأمورية حقها . الحالة الثانية : الصبر حال العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعي التقصير فيه والتفريط ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدي المعبود وأن لا ينساه في أمره فليس الشأن في فعل المأمور بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الآمر حال الاتيان بأمره بل يكون مستصحباً لذكره في أمره فهذه عبادة العبيد المخلصين لله فهو محتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها والى الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها ولا يشتغل عنه بعبادته فلا يعطله حضوره مع الله بقلبه عن قيام جوارحه بعبوديته ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه . الحالة الثالثة : الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه : أحدها : أن يصبر نفسه عن الاتيان بما يبطله عمله قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ( البقرة : 264 ) فليس الشأن الاتيان بالطاعة إنما الشأن في حفظها مما يبطلها .